
ليس الخلاف مع الشيخ أسامة الرفاعي لأنه دعا إلى وحدة المسلمين، ولا لأنه دعا إلى وقف الخصومة، ولا لأنه رأى أن المرحلة الجديدة تقتضي التعاون. هذه كلها عناوين جميلة لا يملك أحد أن يعترض عليها نظرياً. لكن المشكلة أن الوحدة ليست كلمة سحرية، والمصالحة ليست ممحاة للتاريخ، والتعايش لا يعني أن نتظاهر بأن الخلافات التي صنعت نصف قرن من الصراع الديني والسياسي السوري لم تكن موجودة.
وهنا تحديدًا يصبح بيان الشيخ أسامة بحاجة إلى أكثر من عبارات عامة عن «وحدة الصف» و«جمع الكلمة» و«احترام التنوع». لأن السوريين لم يستيقظوا بعد سقوط النظام على مجرد خلاف نظري بين مدرستين فقهيتين. وإنما استفاقوا على سلطة جديدة خرجت من مجموعات جهادية مسلحة ذات جذور جهادية، وعلى مجتمع شديد الحساسية تجاه أي محاولة لإعادة تشكيل هويته الدينية والسياسية بالقوة. ولهذا فإن السؤال ليس: لماذا تريدون الوحدة؟ بل: أي وحدة؟ وتحت أي شروط؟ وعلى حساب من؟ ومن الذي يُطلب منه أن يتنازل عن ذاكرته حتى تنجح هذه الوحدة؟
1 – المشكلة ليست في المصالحة، بل في القفز فوق أسباب الخصومة
يقول الشيخ أسامة إن ما كان يُتداول سابقًا عن التطرف والتكفير في شأن هيئة تحرير الشام كان نتيجة «شائعات» وتقارير مضطربة، وإن اللقاء بقياداتها كشف له زيف تلك الدعاوى. وهنا لا بد من التوقف عند هذا التفسير الذي لا يحل المشكلة بقدر مايعيد صياغتها.
فإذا كانت كل المخاوف السابقة مجرد شائعات، فكيف نفسر تاريخ الجماعة نفسها؟
كيف نفسر انتقالها من جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة إلى هيئة تحرير الشام؟
كيف نفسر السنوات التي حكمت فيها إدلب؟
كيف نفسر الاعتقالات والانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوقية؟
وكيف نفسر احتجاجات إدلب ضد الهيئة في 2024، والتي جاءت في سياق تقارير عن التعذيب والاعتقال، قبل أن تصبح قيادة الهيئة نفسها قيادة الدولة السورية الجديدة؟ وقد وثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات منسوبة إلى الهيئة، كما وثقت لجنة التحقيق الدولية التعذيب وسوء المعاملة والإعدامات والوفيات أثناء الاحتجاز.
هل كل ذلك أيضًا «شائعات»؟
إذا كان الجواب نعم، فهذه ليست مراجعة للتاريخ؛ إنها إلغاء له.
أما إذا كان الجواب أن الجماعة تغيرت، فليكن هذا هو الكلام الصريح: لقد كانت هناك مرحلة، ثم حدث تحول. لكن القول بذلك مختلف تمامًا عن القول: لم يكن هناك شيء يستحق التحفظ أصلًا.
2 – لماذا يُطلب من السوريين أن ينسوا الجزئية التي تخالف مصلحة السلطة الجديدة؟
هذه هي المسألة التي ينبغي ألا تهرب منها أي قراءة لبيان الشيخ أسامة. فالتحولات السياسية لا تغيّر الماضي. والجماعة التي كانت جماعة مسلحة لا تصبح بأثر رجعي جماعة سياسية منذ ولادتها.
والفكر الذي كان موجودًا في مرحلة معينة لا يصبح «شائعة» لمجرد أن أصحابه وصلوا إلى السلطة.
والخلاف الذي كان حقيقيًا بين علماء الشام والتيارات السلفية لا يتحول إلى سوء تفاهم تاريخي لأن القيادات اجتمعت اليوم حول طاولة واحدة.
السلطة تستطيع أن تغير المواقع، لكنها لا تستطيع أن تغير الوقائع. ومن هنا فإن السؤال المشروع هو: هل جرت مراجعة حقيقية؟ أم أن ما جرى هو إعادة تأهيل سياسي وتنظيمي، ثم إعادة تأهيل ديني لهذا التأهيل السياسي؟
إذا كانت هناك مراجعة، فأين نصوصها؟ أين نقد المرحلة الجهادية؟ أين الاعتراف بالأخطاء؟ أين المراجعة الفكرية لمفهوم الجماعة والمجتمع والدولة والمخالف؟ أين الاعتذار للضحايا؟ وأين الضمانات التي تجعل السوريين يصدقون أن المرحلة الجديدة ليست مجرد نسخة أكثر نعومة من المرحلة السابقة؟
3 – «السلفية» ليست كلمة بريئة في هذا السياق
قد يقول قائل: أنتم تخلطون بين السلفية العلمية والسلفية الجهادية. والجواب: لا، بل نحن نرفض أصلًا أن يُستخدم هذا التمييز للهرب من السؤال. نحن نعرف أن السلفية ليست كتلة واحدة. ونعرف أن هناك سلفيين لا علاقة لهم بالجهادية ولا بالعنف. ونعرف أن من الظلم تحميل كل إنسان ينتسب إلى السلفية جرائم تنظيم سياسي أو عسكري. لكننا نسأل سؤالًا مختلفًا:
ما الذي يحدث عندما تتحول بعض الأفكار السلفية من مدرسة دينية إلى مشروع اجتماعي وسياسي يملك القوة والسلاح والدولة؟
هنا لا تعود المسألة خلافًا في الصفات أو التوسل أو البدعة، وإنما تصبح المسألة: من هو المسلم الصحيح؟ من هو المبتدع؟ من هو المقبول؟ من هو الوطني؟ من يملك حق تعريف الإسلام؟ ومن يملك حق إخراج المخالف من المجال العام؟
هذه هي النقطة التي يخشى كثير من السوريين أن تتحول فيها الخلافات العقدية إلى تراتبية سياسية. أي أن يصبح أحد الأطراف هو صاحب التعريف الصحيح للدين، ثم يتحول تعريفه الديني إلى معيار للشرعية الاجتماعية والسياسية.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. ليس لأن كل سلفي يفكر بهذه الطريقة، وإنما لأن السلفية حين تتحول إلى مشروع سلطة تصبح مطالبة بتقديم ضمانات تتجاوز الكلام عن حسن النيات.
4 – لا يمكن أن نطلب من الأشاعرة أن يتصالحوا مع الخطر الذي يخشونه باسم «الوحدة» وهنا ينبغي أن يكون الكلام أكثر صراحة. فالمجتمع السوري ليس مختبرًا نظريًا يمكن فيه جمع المدارس الدينية في قاعة واحدة ثم إعلان انتهاء الخلاف.
هناك تاريخ طويل من التوتر بين التيار الأشعري التقليدي والتيارات السلفية، وهناك مؤسسات دينية وعلماء ومناهج وعادات وتصورات دينية تشكلت عبر قرون.
ولذلك فإن مطالبة البيئة الدينية السورية التقليدية بأن تتعامل مع صعود السلفية السياسية باعتباره مجرد «تنوع داخل أهل السنة» تتجاهل جوهر المشكلة.
الخلاف لا يتعلق فقط بمن يقول ماذا في كتب العقيدة، بل بمن يملك القوة على فرض تعريفه للإسلام على المجتمع.
إذا بقي الخلاف في المسجد والجامعة والكتاب، فهو خلاف يمكن احتماله. أما إذا انتقل إلى جهاز الدولة، وإلى التعليم، وإلى القضاء، وإلى الإعلام، وإلى تعريف الوطنية، وإلى علاقة الدولة بالمذاهب والطوائف، فالأمر يصبح مختلفًا جذريًا.
وهنا لا يجوز أن يُطلب من الأشعري أن يطمئن لمجرد أن شيخًا سلفيًا قال له: «أنت أخي». الطمأنينة لا تُبنى على العبارات. تُبنى على المؤسسات والقوانين والممارسات والضمانات.
5- السوريون لا يخافون من «السلفي» كشخص، بل من السلفية حين تصبح سلطة. وهذا تمييز ضروري.
ليس الخطر في رجل سلفي يعيش بجوارك. ولا في عالم سلفي يدرّس طلابه ما يراه صحيحًا. ولا في جماعة دعوية تمارس نشاطها في إطار القانون.
الخطر يبدأ عندما تصبح عقيدة جماعة دينية مرجعية قسرية للدولة والمجتمع. وحين يصبح المختلف عقديًا موضع ريبة. وحين تتحول كلمة «البدعة» من حكم ديني إلى حكم اجتماعي. وحين يصبح الاختلاف مع السلطة اختلافًا مع «الدين». وحين تتحول الدولة من حَكَم بين المكونات إلى أداة بيد المكوّن الأقوى. وهنا تحديدًا ينبغي أن نفهم خوف السوريين من التجربة الجديدة.
فما حدث في المرحلة الانتقالية لم يبدد كل هذه المخاوف، بل أضاف إليها وقائع دامية. لقد وثقت هيومن رايتس ووتش أن أعمال العنف في مارس 2025 استهدفت المجتمعات العلوية على أساس الهوية، وأسفرت العمليات التي شاركت فيها القوات الحكومية والجماعات المتحالفة معها عن مقتل ما لا يقل عن 1,400 شخص وفق التقرير الذي أشار أيضًا إلى إعدامات تعسفية ونهب وحرق للممتلكات.
ثم جاءت أحداث السويداء في يوليو 2025، حيث وثقت المنظمة انتهاكات جسيمة وانتهاكات قائمة على الهوية، شملت القتل والإعدام خارج نطاق القضاء وحرق المنازل والنهب، مع تورط أطراف متعددة.
هذه الوقائع لا تثبت أن «كل السلفيين» مسؤولون عنها، وهذه صياغة لا يقبلها العقل. لكنها تثبت شيئًا آخر أكثر أهمية: أن مخاوف السوريين من تحوّل القوة المسلحة إلى سلطة قادرة على التعامل مع المجتمع بمنطق الهوية ليست مخاوف وهمية. ولهذا يصبح الخطاب الديني الذي يطلب من الناس أن يطمئنوا بمجرد إعلان «الوحدة» خطابًا غير كافٍ.
6 – ماذا يعني إذًا قول «فهم منا ونحن منهم»؟
هذه هي الجملة التي تحتاج إلى مساءلة حقيقية. فإذا كان المقصود: «هم مواطنون سوريون مسلمون، لهم حق الوجود والدعوة والمشاركة السياسية مثل غيرهم». فلا مشكلة. بل هذا حق ينبغي أن يكون مضمونًا للجميع. أما إذا كان المقصود: «إن الخلافات التاريخية والعقدية والمنهجية مع السلفية أصبحت من الماضي». فهذا يحتاج إلى برهان.
وأما إذا كان المقصود، بصورة غير مباشرة، منح السلطة الجديدة غطاءً دينيًا يضعها داخل الجسم الديني التقليدي السوري دون المرور بأسئلة التاريخ والمراجعة، فهنا يصبح الأمر أكثر خطورة، لأن الجملة لا تعود جملة أخوة. تصبح جملة إعادة تصنيف. والتصنيف الديني ليس أمرًا بريئًا عندما تكون الدولة نفسها في طور إعادة التشكل.
7 – لا يمكن تحويل الأشعرية إلى «تفصيل» داخل مشروع الوحدة
من أخطر ما يمكن فعله في هذه المرحلة أن يقال للأشاعرة: «لا تتحدثوا عن خلافكم مع السلفية الآن؛ فالمصلحة تقتضي الوحدة». هذه العبارة تبدو وطنية، لكنها قد تتحول إلى مطالبة طرف بعينه بالصمت. فإذا كان المطلوب من الجميع أن يتنازلوا عن حساسياتهم، فينبغي أن يكون التنازل متبادلًا.
إذا كان المطلوب من الأشعري ألا يخاف من السلفي، فعلى السلفي أن يقدم ضمانات واضحة بأنه لا يريد تحويل المجتمع إلى نسخة من تصوره الديني. إذا كان المطلوب من الأشعري أن يتجاوز خلافاته العقدية، فعلى الدولة أن تضمن له ألا تتحول العقيدة السائدة لدى السلطة إلى معيار للحقوق والواجبات.
إذا كان المطلوب من الجميع «احترام التنوع»، فيجب أن يكون التنوع حقيقيًا لا مجرد شعار. لا يكفي أن يُقال للأشعري: نحن نحترمك؛ يجب أن تكون بنية الدولة نفسها مصممة بحيث لا تستطيع أي مدرسة دينية أن تستولي على تعريف المواطن الصالح.
8 – المصالحة التي لا تعترف بالخوف ليست مصالحة
الشيخ أسامة يتحدث عن «جمع الصفوف» و«تغليب المشتركات» و«احترام التنوع». هذا كلام جميل. لكن ماذا عن الخوف؟
الخوف الذي يعيشه علوي يخشى الانتقام.
والخوف الذي يعيشه درزي يخشى أن تصبح حريته رهينة لموازين القوة.
والخوف الذي يعيشه مسيحي يسأل عن موقعه في الدولة الجديدة.
والخوف الذي يعيشه كردي يخشى إعادة إنتاج مركزية الدولة القديمة.
والخوف الذي يعيشه أشعري من أن تتحول السلفية من تيار ديني إلى مرجعية دولة.
كل هذه المخاوف لا تُعالج بخطبة عن الأخوة. وإنما تُعالج بضمانات. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى السلطة الجديدة وإلى مؤسستها الدينية ليس: «هل أنتم مسلمون؟»
سؤال: هل يستطيع السوري المختلف عنكم أن يعيش آمنًا دون أن يضطر إلى أن يصبح مثلكم؟
هذا هو الامتحان.
9 – المشكلة ليست أن السلفيين «من أهل السنة»؛ المشكلة من يملك تعريف أهل السنة. قد يبدو هذا التفصيل عقديًا، لكنه في الحقيقة سياسي بامتياز. فإذا قلنا إن الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث والمذاهب الأربعة داخل مفهوم أهل السنة والجماعة، فهذه صيغة يمكن أن تكون إطارًا واسعًا للتعايش. لكن إذا استُخدم هذا العنوان لتذويب الخلافات ثم جرى عمليًا تقديم مدرسة واحدة بوصفها النموذج الصحيح، فإننا لم نحقق الوحدة؛ بل أخفينا الصراع تحت اسم الوحدة.
وهنا يجب أن يكون الموقف واضحًا: ليس المطلوب أن يتخلى السلفي عن سلفيته، ولا أن يتخلى الأشعري عن أشعريته. المطلوب ألا تتحول سلفية أحدهما أو أشعرية الآخر إلى سلطة على الدولة.
هذه هي الدولة التي يستطيع السوريون أن يتصالحوا داخلها. أما أن يُطلب من الناس أن يتصالحوا مع مشروع ديني سياسي لم تتضح حدوده بعد، فهذا شيء آخر.
10 – بيان الشيخ أسامة يتجاهل سؤال القوة
وهذا ربما أهم ما ينقص البيان كله. فالحديث عن المدارس العقدية يصبح ناقصًا إذا تجاهلنا ميزان القوة.
الأشعري والسلفي يمكن أن يتحاورا بحرية عندما يكونان مواطنين متساويين. لكن عندما يكون أحدهما قريبًا من مركز السلطة والسلاح والمؤسسات، فإن العلاقة لم تعد علاقة مناظرة علمية. تصبح علاقة قوة.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: «هل السلفية من أهل السنة؟» بل: ما موقع السلفية في الدولة الجديدة؟ وما موقع العلماء التقليديين؟ ومن يحدد المناهج؟ ومن يحدد الخطاب الديني الرسمي؟ ومن يملك المؤسسات؟ ومن يراقب المساجد؟ ومن يحدد حدود المقبول والمرفوض؟ ومن يضمن ألا تتحول الدولة إلى أداة لإعادة هندسة المجتمع دينيًا؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تشغل المفتي، لا الاكتفاء بتطمين السوريين إلى أن الجميع «إخوة».
11 – لا يجوز أن تصبح وحدة الصف غطاءً لفرض الصف الواحد
لقد عانى السوريون طويلًا من دولة لم تكن تقبل الاختلاف السياسي. ومن المفارقات أن يتحول شعار إسقاط الاستبداد إلى بناء ثقافة جديدة لا تقبل الاختلاف الديني والسياسي.
السوريون لا يحتاجون إلى استبدال استبداد بعثي باستبداد ديني. ولا يحتاجون إلى استبدال «حزب واحد» بـ«تفسير واحد للإسلام». ولا يحتاجون إلى أن ينتقل احتكار تعريف الوطنية من مؤسسة حزبية إلى مؤسسة دينية.
فإذا كانت المرحلة الجديدة تريد فعلًا بناء دولة سورية مختلفة، فإن أول ما ينبغي أن تفعله هو تحرير الدولة من احتكار أي جماعة لتعريف الدين والوطن معًا.
12 – ماذا نريد إذن؟
لا نريد حربًا على السلفيين. ولا نريد إقصاءهم. ولا نريد أن نضعهم جميعًا في سلة واحدة. ولا نريد إعادة إنتاج الطائفية. ولا نريد الانتقام من أحد. نريد شيئًا أبسط:
أن تكون السلفية تيارًا دينيًا بين تيارات، لا معيارًا للدولة.
وأن تكون الأشعرية مدرسة دينية محترمة، لا سلطة على الدولة.
وأن تكون المسيحية والإسماعيلية والعلوية والدرزية والكردية وغيرها من مكونات المجتمع محمية بحقوق المواطنة، لا بكرم السلطة.
وأن يكون المسلم السني نفسه حرًا في أن يكون أشعريًا أو ماتريديًا أو سلفيًا دون أن يخشى أن تتحول عقيدة الآخر إلى قانون عليه.
هذه ليست معاداة للسلفية. بل هي، في الحقيقة، الحماية الوحيدة التي تجعل وجود السلفي نفسه آمنًا عندما تتغير موازين القوة مستقبلًا.
وأخيرًا: إلى الشيخ أسامة الرفاعي
يا شيخنا،
ليست المشكلة أنك تصالحت.
وليست المشكلة أنك التقيت.
وليست المشكلة أنك وجدت في الطرف الآخر وجوهًا صالحة.
وليست المشكلة أنك تريد أن تجمع المسلمين.
المشكلة أنك تطلب من السوريين أن يقبلوا النتيجة قبل أن تشرح لهم الطريق.
تقول إن الشائعات سقطت. حسنًا: ماذا بقي من الحقيقة القديمة؟
تقول إن السلفية جزء أصيل من النسيج السوري. حسنًا: أي سلفية؟
تقول: «هم منا ونحن منهم». حسنًا: هل تعني الأخوة الإسلامية، أم التوافق العقدي، أم المصالحة السياسية، أم إعادة كتابة التاريخ؟
وتقول: «وحدة الصف». حسنًا: هل الوحدة أن يتسع الوطن للجميع، أم أن يتسع الجميع لتصور السلطة الجديدة؟
هذه هي المسألة.
فإن كانت الوحدة تعني أن يعيش السلفي والأشعري والمسيحي والعلوي والدرزي والإسماعيلي والكردي والعلماني في دولة واحدة متساوية، فهذه وحدة نريدها جميعًا.
أما إن كانت الوحدة تعني أن يُطلب من المختلف أن يطمئن إلى مشروع لا تزال حدوده الدينية والسياسية غير واضحة، وأن ينسى تاريخًا قريبًا من الصراع، وأن يعتبر مخاوفه مجرد شائعات، فهذه ليست مصالحة. هذه مطالبة بالثقة قبل تقديم أسباب الثقة.
والسوريون بعد كل ما عاشوه لا يحتاجون إلى المزيد من الوعود. يحتاجون إلى دولة لا يخاف فيها أحد من عقيدة الآخر، ولا يحتاج فيها أحد إلى تغيير مذهبه كي يكون مواطنًا كامل الحقوق.
فالطريق إلى المصالحة ليس أن نقول للأشعري: «لا تخف من السلفي». ولا أن نقول للسلفي: «أنت متهم لأنك سلفي».
الطريق هو أن نقول لكليهما: لن تكون الدولة لك ولا عليك. وهنا فقط يمكن أن يصبح «هم منا ونحن منهم» معنى وطنيًا حقيقيًا، بدل أن يكون جملة دينية تُستخدم لتجاوز الأسئلة التي لم تُجب عنها الأيام بعد.
المصالحة لا تبدأ بمحو الخلاف. تبدأ بالاعتراف به.
والوحدة لا تبدأ من توحيد العقائد. تبدأ من توحيد الحقوق.
والأمان لا يصنعه حسن الظن. تصنعه دولة لا يستطيع فيها أحد أن يحوّل عقيدته إلى سيف على رقاب الآخرين.