منقول: أنا لاجئ في وطني – الكاتب مجهول

كان اسم شارعنا “شارع #الياسمين”، وكانت مدرستي تحمل اسم “مدرسة الأمل الابتدائية”. هناك، نبتت طفولتنا بين جدران الشرفة القديمة، وتحت ظلال أشجار الكينا التي شهدت على أولى خطواتنا نحو الحلم. كنا نحفظ تفاصيل المكان كما نحفظ ملامح أمهاتنا؛ فالزاوية المكسورة في سور المدرسة كانت مخبأ رسائلنا السرية، ومنعطف الشارع كان الشاهد الأول على ألعاب حارتنا وضحكاتنا التي لا تنتهي.
وفجأة، وبلا مقدمات، صدر القرار.
استيقظنا ذات صباح لنجد العمال يزيلون اللوحات الزرقاء القديمة. اختفت كلمة #الياسمين”، وحلّت محلها حروف باردة لاسم غريب لا ينتمي إلينا ولا ننتمي إليه: “شارع خطة التطوير رقم ٤”. ولم تكد تمر أيام حتى لحقت بالمدرسة التغييرات ذاتها، فرُفعت لوحة معدنية جديدة تحمل اسماً جافاً: “المجمع التعليمي النموذجي الحديث”.
لم تكن تلك مجرد لوحات تُستبدل، بل كانت عملية مسح ممنهجة لذاكرتنا الجماعية.
توالت القرارات لتطال كل ما يربطنا بالأرض والزمان. أُلغيت “أعياد الحصاد السنوية” التي كنا ننتظرها كل عام لنجتمع في ساحة الحي، ومُنع إحياء “يوم التراث الوطني” الذي كان يربطنا بحكايات أجدادنا. أصبحت الروزنامة مجرد أرقام صماء، خالية من أي مناسبة تمنحنا شعوراً بالهوية أو الدفء.
شعرنا فجأة بأننا مغتربون في وطننا. نمشي في شوارعنا فلا نعرفها، وندخل مدارسنا فنشعر بالبرودة تجتاح جدرانها.
كان الهدف واضحاً: تحويلنا إلى كائنات بلا ماضٍ، بلا جذور، وبلا ذاكرة تشدنا إلى الأرض.
لكن الذاكرة، كما تبين لاحقاً، لا تُمحى بقرار على الورق.

في أحد المساءات، التقى الجيران في زاوية الشارع دونه تنسيق مسبق. نظر أبو أحمد، الرجل السبعيني، إلى اللوحة الجديدة، ثم التفت إلينا وقال بصوت ثابت: “سنلتقي غداً عند منعطف الياسمين”. ابتسم الجميع، وأدركنا حينها أنهم مَلكوا اللوحات والقرارات، لكنهم لن يملكوا أبداً ما حُفر في قلوبنا. بقيت المدرسة في عيوننا “الأمل”، وظل الشارع يعبق برائحة “الياسمين”، وعقدنا العزم على أن نحتفل بمناسباتنا الملغاة داخل بيوتنا، ونورثها لأبنائنا حكاية بحكاية، لتبقى الذاكرة حية، عصية على النسيان..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق