لماذا يكرهوننا؟؟ المظلومية السنية في اوروبة أيضا بين النباهة والاستحمار

ربما لم يعرف التاريخ مظلومية حملها أهلها مثل الراية، ومثل السلاح، مثل المظلومية اليهودية. فاليهودي دائماً يقدم نفسه على أنه مظلوم، وأنه ابن السبي البابلي، وضحية السبي البابلي، وضحية ذلك الزمن الذي أخذ منه حلمه ومعبده وكنوزه وتابوته. لذلك هذا اليهودي لا يدرك لماذا هو يكره العالم .. يكره الناس .. لا يقدر على أن يحب أحدا .. ولا يقدر على أن يظهر المودة الا للمال .. ما يقدر أن يظهره هو فقط الكراهية بسبب عقدة المظلومية .. فهو لايتوقف عن سؤال نفسه مستغربا ومستهجنا وحائرا لماذا يكرهوننا؟؟ هذا السؤال هو سؤال الأمم المأزومة أخلاقياً التي لاترى سلوكها وطريقة تفكيرها ولاتراجع أزمانتها التاريخية لذلك سؤال لماذا يكرهوننا يجب أن يبحث أصحابه عن جذر السؤال المخفي تحت التراب .. وهو ليس لماذا يكرهوننا .. بل لماذا لا يقدرون أن يحبونا؟؟

الآن منذ أن بدأت الحرب على سوريا، ظهرت هناك المظلومية السنية بشكل فاقع فج .. وصار هناك من يعمل على تعمنيم المظلومية السنية على كل من هو سني سواء كان غير مظلوم او مظلوم .. السني تحول إلى مظلوم أبدي وكل عطف العالم لايكفيه .. يدور العالم .. يبكي على أرصفة العالم .. يزور البرلمانات .. يشتكي .. يوزع آلامه ومواجعه على العالم كله .. ويتلذذ بدور الضحية .. فأعطي بسخاء دور الضحية .. وعومل بسخاء كضحية كقربان ينحره المحور الشيعي .. استقبلته أوروبا .. فتحت له المجالات .. سمحت له بأن يكذب .. وغضت البصر عن كذبه .. وكذبت معه .. وكافأتخ على كذبه في المخيمات او في بلدان اللجوء حيث كانت المؤسسات الاوروبية تعرف ان كل لاجئ كان يكذب ولكنها اعطته شعورا انه ينال مكافأة على كذبه .. أعطته السلاح في وطنه .. أعطته الإعلام .. أعطته الدعم اللذي بلا ضفاف .. حاربت معه بالإعلام وبالمال .. جندت له العالم كله والإسلام كله والعرب كلهم والمال كله .. وفوق هذا أعطته مالايستحق .. أوصلته إلى سلطة لا يستحقها .. لأنه لم يكن أهلاً للسلطة.

اليوم وبسبب هذه النشأة على روح المظلومية التي تدر ذهبا بدأ السني يدخل إلى مظلومية أخرى، بعد أن كانت مظلوميته من أنه مضطهد من قبل الشيعة والمحور الشيعي والعلويين ومحور إيران، انتقلت مظلوميته إلى أنه الآن مظلوم في أوروبا .. يشتكي من اضطهاد الأوروبيين له لأنه سني .. وإبعادهم له بسبب سنيته .. وترحيلهم له .. ولكن هل هذا يدل على نضج عقلي ونضج أخلاقي وإدراك معرفي كاف؟ أنا في الحقيقة أحس أن أوقح الأسئلة على الإطلاق هو أن يقول أحدهم لماذا يكرهوننا، ولا يسأل نفسه كيف يمكن لهم أن يحبونا؟ لماذا سيحبوننا؟ ….

نعم، لماذا سيحبونهم؟

السؤال الحقيقي هو اذا .. لماذا يجب أن يحبونا؟ لماذا سيحبوننا؟ تخيل أن المسلمين يذهبون لاجئين إلى أوروبا، يحصلون على المزايا وعلى الأمان وعلى الرواتب واللجوء ويعلمون أطفالهم مجانًا ويحصلون على كل الفرص وتطلق لهم حريتهم ليقولوا ما يشاؤون .. ويصلو في الطرقات وعلى الارصفة ويرفعوا التكبيرات .. ومع ذلك هو يريد أن يهدي الأوروبيين إلى الإسلام .. هو يريد أن يقيم دار الإسلام في أوروبا ..

تخيل أن هذا اللاجئ خرج من بلده الاصلي سورية الذي كان قد أعطاه كل شيء .. حكومة وشعبا وقيادة .. تخيل أن القيادة في سوريا لم يكن لها هاجس وليس لها همّ سوى أن يرضى عنها ذلك المسلم السني الأموي المدلل .. لأنه كان دائمًا يعطي شعورًا لمن يحكمه بأنه مظلوم لأنه محكوم ولايحكم .. فكان الحاكم لا همّ له إلا أن يزيل هذا الشعور بالظلم .. يغدق عليه .. يعطيه بسخاء .. ولكن مع هذا ظل يحس أنه لم يأخذ كل حقه .. تخيل هذا السني يريد أن يعتبر أن العالم كافر.. وأن له الحق في أن يستولي على أموال الآخرين لأنه مسلم .. وأن له الحق أن يكفر الآخرين لأنه مسلم .. ويحتقر معتقدات الاخرين .. وأنه على حق في أن يغتصب نساء الآخرين ويحولهن إلى جوار وإماء وسبايا .. لأنه مسلم .. له الحق أن يشتم الآخرين ومشاعر الآخرين ومذاهب الآخرين ورموز الاخرين لأنه مسلم .. وعندما يرد عليه أي شخص وأي طرف وأي جهة بأن هذا الكلام لم يعد مقبولًا .. ولم يعد يمكن أن يغفر .. ولم يعد يمكن أن يسامح عليه .. يعود إلى زاوية المظلومية ويبكي ويلطم ويشتكي ويصبح ضحية من جديد. الآن عندما أسمع أن هناك مواطنين سوريين منزعجون من ترحيلهم من أوروبا ويقولون لأننا مسلمون سنة يتم ترحيلنا من أوروبا.

طيب يعني أنت أتيت إلى أوروبا بحجة أنك مظلوم سني، جئت الى أوروبا هربا بدينك وعقيدتك .. طيب لماذا تريد أن تبقى في أوروبا؟ المنطق يقول أن عليك الآن أن تعود إلى بلادك .. موجبات اللجوء وموجبات أن تبقى في أوروبا انهارت .. اختفت .. تلاشت .. أخلاقيًا لا يجوز لك أن تبقى في أوروبا .. عليك أن تحزم حقائبك وأن تقول لهم شكرًا لكم .. ها أنا عائد لإقامة دنيا العدل ودنيا الحق ..لا لإقامة الظلم.

لكن انظر ماذا فعلت؟ بدأت بتحويل الجميع إلى ضحايا .. كل من لايوافقك هو عدو ويتحول الى ضحية .. كلهم ظلموك ؟؟ طيب اذا كنت تقول ان العلويين ظلموك فهل ظلمك الدروز لتقتلهم؟ وهل ظلمك الكرد لتقتلهم؟ وهل ظلمك السني المعتدل لتقتله؟؟ بدأت بتحويل المجتمع الى مجتمع عنصري فيه مستوطنون سنة وأصحاب ارض أصليون .. والجميع حولتهم إلى مظلومين، ثم بعد ذلك تسأل لماذا يكرهوننا ؟؟ لماذا يريدون الانفصال عنا وتركنا والبحث عن وطنهم الجديد ؟؟ بدل أن تسأل لماذا سيحبوننا ..

بصدق انني لاأرى اي سبب ليحبك احد .. وأرى كل الاسباب لكي تكون مكروها ومنبوذا وضئيلا ومحتقرا .. ولاسبيل للعيش معك الا بعد ان ينزل عليك نبي جديد .. كمكا تمنى يوما الكاتب السوري نبيل فياض الذي تنبأ ان السنة يحتاجون الان الى نبي جديد ليؤهلهم للحياة ويعلمهم الاخلاق وان يعلمهم ان يحبوا أنفسهم قبل كل شيء .. لا، كراهيتهم لم تعد مقتصرة على كره الاخر .. بل كره الذات وكره النفس .. وكره الروح ..

نصيحتي لكل من يعتقد بالمظلومية السنية ان يقرأ كتاب الفيلسوف علي شريعتي ستعمل الشعور الديني أو المظلومية أو الانشغال بقضايا معينة لصرف الإنسان عن مساءلة نفسه ومراجعة أفعاله .. المظلومية قد تكون حقيقة تستوجب الإنصاف، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أداة للتهرب من المسؤولية. والاختبار الأخلاقي ليس أن نطالب الآخرين بالتعاطف معنا فحسب، بل أن نسأل أنفسنا: هل نعاملهم بالعدل الذي نطالبهم به؟

النباهة عند شريعتي ليست مجرد الذكاء أو الشهادات العلمية أو كثرة المعلومات، بل هي نوعان: النباهة الفردية أي أن يفهم الإنسان نفسه وحقوقه وواجباته .. وألا يسمح للآخرين بتشكيل وعيه أو استغلاله .. والنباهة الاجتماعية التي تعني أن يفهم ظروف مجتمعه .. وأسباب الظلم والتخلف.. وأن يدرك مسؤوليته عن إصلاح الواقع .. بدلاً من الاكتفاء بمصلحته الشخصية وأنانيته الدينية ..

ولكن ما المقصود بالاستحمار؟ هذا المصطلح القاسي دلالة على تغييب وعي الإنسان وتوجيه تفكيره بعيداً عن القضايا التي تستحق اهتمامه وهو يميز بين شكلين رئيسيين:

  • الاستحمار المباشر: نشر الجهل أو التضليل، وتقديم معلومات أو أفكار تحرف فهم الإنسان للواقع مثل ان تغيب احتلال جنوب سورية وجبل الشيخ واستيلاء تركيا على حلب والشمال السوري وفقدان الاقتصاد ولاثروات ومع هذا يحتفل الامستحمر انه تحرر .. وصار يقرر ..
  • الاستحمار غير المباشر: إشغال الإنسان بقضايا صغيرة أو خلافات جانبية حتى ينسى القضايا الأساسية المتعلقة بالحرية والعدالة والكرامة والمستقبل .. فتصبح العدالة هي في محاكمة شخص بريء مثل المفتي حسون .. وكثيرين ممن ليست لهم علاقة بمظلوميتك ..

وباختصار فان الاستحمار هو ماتراه اليوم في سورية .. كل الشعب يتم استحماره .. وهو سعيد بأنه تحرر واستحمر ..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا