لأول مرة .. الشخصية الرفيعة التي رافقت الرئيس الأسد الى موسكو وكانت معه لحظة بلحظة حتى وصوله الى موسكو .. تروي أهم شهادة على ماحدث في الأيام الأخيرة لدمشق

في الحقيقة لاتزال قصة سقوط دمشق لغزا من الألغاز العصية على الفهم .. ولم تعط كل المحاولات السابقة شرحا شافيا لما حصل .. لأن الرواية لاتزال تائهة وتتنازعها الأهواء والدعايات والتجاذبات والأسرار الغامضة .. لايزال الأسد مالئ الدنيا وشاغل العالم .. ولايزال صمته أكثر أثرا من كلام العالم كله وصخبه وضجيجه .. ولايزال غيابه هو الغياب المحير .. والغياب الموجع .. والغياب الصعب .. لأنه الغياب الغامض الذي يأخذ معه الاسرار والشيفرات كما هي أسرار الوجود المخبأة .. فكيف بغائب ان يكون أكثر حضورا من كل الوجود الصاخب .. وكيف برجل حمل معه الأمل لشعبه وهو معهم .. وحمله وهو غائب عنهم .. كما القصص المقدسة التي يغيب فيها القديسون .. ليرى الناس خلاصهم قادما بعودتهم الحتمية ..

الأسد ليس شخصا عاديا في التاريخ وسأتجرأ على القول أنني سأشفق على التاريخ وهو يحاول ان يضع الأسد في منزلة لم يحظ بها أحد قبله .. فهو خلطة حرية وعنفوان وكرامة وكبرياء وهومزيج من هكطور الذي دافع عن طروادة ببسالة وخسرها .. ومن أخيليس الذي غمرته الحياة بماء الخلود فتحدى الموت ولكن السهم اصابه في وتر قدمه .. وهو جلجاميش الذي بحث عن سر الخلود ليعطيه لأمته .. وهو يوليوس قيصر الذي تآمر عليه من رفعهم وانتصر لهم وجعلهم سادة .. وهو من ارتدى قميص يوسف الذي ألقاه اخوته في البئر وقالوا أكله الذئب .. وهونسخة عن سيف الدولة الحمداني وسيرته والذي اضطر لمغادرة حلب عندما هاجمه نقفور بعد ان جعل سيف الدولة حلب أهم عاصمة في تاريخ ذلك الزمان .. وهو الرجل الذي جلس في كرسي صلاح الدين .. وكرسي معاوية .. فدمشق ليست أية عاصمة .. ومن يجلس للحكم فيها يجب ان يليق بها .. فماأصعب العلاقة مع مدينة كدمشق .. اذا لم يكن من يحكمها كل هؤلاء مجتمعين ..

ولذلك فان للتاريخ الحق في أن يقع في الحيرة لتكريم أبطاله الشجعان .. فالرئيس الأسد سيكون معضلة للتاريخ وهو يبحث له عن مكان يليق به .. والتاريخ كائن حي لايموت .. يحب ويكره ويغضب .. ويحب الدهشة والادهاش .. وهو مفتون بالشخصيات التي تحيره .. ولكنه مفتون أيضا بالشخصيات التي تهواها العواصف وأعاصير النار .. تقترب منها الأعاصير كما الفراش يقترب من اللهب ويحترق ..

مهمة الاسد كانت من أصعب المهام التي يكلف بها تاريخ شخصية استثنائية .. النظريات القديمة حوله تتلاطم وتتحطم .. والعالم يتشقق .. والدول الضعيفة تدخل الى متحف العالم مثل المحنطات .. لم يكن غريبا اذا ان الأسد كان يواجه أعتى عاصفة .. ويواجه أعاصيرا للنار تمر بها الأمة .. وتوقع الكثيرون انه لايملك الا خيار الاستسلام .. فنسبة النجاة لاتتعدى الصفر في الاعصار .. لأن سورية هي جوهرة تاج العالم .. واذا نجح نموذجها الفريد كدولة مستقلة حرة تأكل مما تزرع وتشرب مما تعصر وتحيك مما تنسج فانها ستكون نموذجا سيتكرر في العالم وكأنها بولس نفسه الذي حمل المسيحية للعالم من دمشق ..

كان لابد من ان تسقط دمشق .. وكي تسقط دمشق يجب ان يسقط الأسد .. وكي يسقط الأسد فان اسقاط الشعب في الوهم والخدعة هو الوسيلة .. يجب ان يفقد الناس علاقتهم بالأسد .. ويجب أن يفقدوا ثقتهم به .. ويجب ان يقاتلوه .. والوسيلة هي الكذب والاغراق بالأكاذيب والتشكيك بكل شيء .. وقتل المنطق والبدهية والعقل .. واحياء عظام الجمل وصفين والتجول بقميص عثمان في طرقات الشرق .. لاحلال الشذوذ الوطني محل الوطنية ..

لم يخطئ الأسد عندما اختار المواجهة .. لأنه لم يكن لديه خيار آخر .. ولم يكن لديه خيار التنازل أو التراجع في بلد يقع في محيط من الديناميت وبلد يجلس على الديناميت .. وتاريخ يأكل الديناميت .. وجغرافيا تتشكل من انفجارات الحروب العالمية فيها .. ولم يكن لديه أي وهم انه لايقاتل في معركة عادية بل هي رأس حرب عالمية ثالثة طاحنة تبدأ في سورية ..

خصوم الأسد ومنتقدوه الذين صاروا يتظاهرون ويتباهون زورا اليوم بعلمهم في السياسة لايمكنهم أن ينكروا ان حجم الاموال التي خصصت للاستيلاء على سورية هائل جدا .. وأن نزع اليقين من قلوب الناس كان الشغل الشاغل للأعداء .. وان جزءا من الشعب السوري قد تم خداعه واستدراجه الى الفخ .. واليوم يكتشف السوريون حجم الفجيعة والخديعة .. ورغم انهم يحاولون خداع أنفسهم من جديد بانكار ماتراه أعينهم وماتسمعه اذانهم .. الا ان الحقيقة هي انهم أدركوا أن الرئيس الأسد هو ماخسروه فعلا .. ومن يخسر رجلا مثل الأسد فانه سيخسر كل شيء ..

وكما كانت بداية الحرب غير مبررة ولاتفهم وليس لها منطقها الثوري والاخلاقي والرياضي والاقتصادي .. فان نهايتها بدت اكثر غرابة ودهشة وتعيد صياغة مقولة أرنولد توينبي بطريقة غاضبة: انها نهاية ضد التاريخ .. وضد الجغرافيا .. وضد المنطق ..

ولعل النهايات التي لاتفهم تجعل فهم البدايات صعبا .. وتجعل القصة بلا نهاية .. ولايفهم سياقها وحبكاتها التاريخية المعقدة .. ولذلك فاننا جميعا كنا نبحث عن قصة النهاية التي بقيت لغزا محيرا .. ونحن نجمع قصاصاتها المبعثرة .. الى ان التقينا بأقرب شخصية من الأسد لتحكي لنا وتجيب فضولنا عن أشياء كثيرة ..

أستطيع أن اقول بكل ثقة وبملء اليقين أننا اقتربنا الآن جدا من قلب الرواية الحقيقية لسقوط دمشق .. الرواية التي عرفناها أخيرا من شخصية رفيعة لازمت ورافقت السيد الرئيس بشار الأسد في الأيام الاخيرة وغادرت معه الى موسكو وكانت مثل ظله في هذه الفترة .. وهذه الشخصية الهامة – التي أعتز بصداقتها شخصيا – عرفت تفاصيل تلك الأيام التي عاشها الأسد في أصعب ايام سورية على الاطلاق في التاريخ الحديث ..

كنت أعلم أن صديقي في موسكو هو كاتم الأسرار .. والذي بعد ان صمت طويلا .. وافق على ان يعطينا أجوبة تعتبر شهادة نقية خالصة .. ليس الغرض منها الا ان نعطي التاريخ شهادتنا .. فللتاريخ حق علينا أن نكون صادقين معه كي يكون صادقا عندما يحكي عنا ..

وعندما استمعت الى أجوبة هذه الشخصية الرفيعة المحترمة وصندوق الاسرار كنت أعلم أنني أستمع للأسد نفسه .. وكنت أسمع صوته .. وطمعت في أن اسأل أكثر .. فأعطاني اجابات على مجموعة من الاسئلة التي سأنشرها تباعا .. ولكن سأبدأ بأهم الأسئلة على الاطلاق وهي: ماذا حدث في الأيام الأخيرة .. ؟؟

نعم … ماذا حدث في الايام الأخيرة؟؟ وكيف سقطت دمشق مرة ثانية تحت سنابك المغول والتتار ..

غدا سنروي لكم رواية هي الى الآن الرواية الأنقى .. والرواية التي لها صوت الرئيس الأسد نفسه .. وبعدها سنستكمل اسئلتنا الاخرى علّنا نروي الظمأ الاخير ..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا