آراء الكتاب: سقطت ورقة التوت .. وظهرت الـعورة .. السروج للخيول التي تحارب فقط !! – بقلم: صديق صفحة نارام*

في البدايات، كان كل شيء يبدو قابلا للتصديق. شعارات كبيرة تتحدث عن الحرية والكرامة ومحاربة القمع والاستبداد والفساد والمحسوبيات، ووعود اكبر بمستقبل مختلف ينتظر السوريين على مرمى خطوة. كان المشهد مزدحما بالكلمات التي تريح الغاضب، وبالاحلام التي يحتاجها المرهق، وبحكايات الماضي التي تجعل كل ما يأتي بعدها يبدو، بالضرورة، افضل.

لكن الزمن لديه عادة سيئة: يكشف الفارق بين الكلام والواقع.

ومع مرور الوقت، بدأ السوري العادي يقارن ما يسمعه بما يراه. قيل له ان الفجر آت، فوجد العتمة اطول. وقيل له ان الكرامة ستعود، فصار يبحث عن الخبز. وقيل له ان الفساد والمحسوبيات ستنتهي، فرأى العقود والامتيازات والمواكب والاحتفاليات تتكاثر امام عينيه، بينما تتراجع الخدمات، وتنهار الصحة والتعليم والنقل، وتتسع دائرة الفقر حتى صار المواطن يفتش في القمامة عما يسد به جوعا او يستر به طفلا.

عندها لا تحتاج الشعارات الى خصم سياسي كي تسقط. يكفيها ان يصطدم بها الواقع.

وهكذا بدأت الرواية تتشقق. وكلما سقطت طبقة منها ظهرت طبقة اخرى من الاسئلة. فاذا كان القمع جريمة عندما كان يرتكبه السابق، فما الاسم الذي ينبغي ان نطلقه عليه عندما نراه يتكرر اليوم؟ واذا كان الاعتقال والتعذيب والاخفاء القسري والقتل جرائم لا تسقط بالتقادم عندما يرتكبها خصمنا، فلماذا تتحول فجأة الى تفاصيل هامشية عندما يرتكبها من نؤيده؟

هنا اهتزت ورقة التوت.

كل القصص التي صنعت منها، من اظافر اطفال درعا وحنجرة القاشوش وقضيب حمزة الخطيب، وصولا الى صيدنايا وحكايات المكبس، باتت مطالبة اليوم بان تجيب عن سؤال بسيط: هل كانت العدالة مبدأ، ام مجرد سلاح سياسي؟

والاخطر ان المسألة لم تعد قصة طغمة حاكمة فحسب. فالسوري الذي ينظر حوله يرى بلدا دفع ثمنا هائلا، وبنية دولة منهارة، واقتصادا محطما، وملايين غارقين في الفقر، بينما القوى التي انفقت مئات المليارات على الحرب السورية، تسليحا وتمويلا وتحريضا، لم تنفق حتى جزءا يسيرا من تلك الاموال لانقاذ السوري الذي قالت انها خرجت من اجله.

وهنا تصل الحكاية الى زبدتها المرة.

ربما كان السؤال الاول: لماذا خرجنا؟

لكن السؤال الذي يليه اخطر: من كان يريد منا ان نخرج؟ والى اين؟ ومن استفاد من خروجنا؟

فالثورة التي وعدت السوري بالحرية انتهت الى تدمير وطنه، والمشروع الذي قالوا انه سيعيد له كرامته تركه يبحث عن رغيفه بين اكوام القمامة. انفقوا الاموال على تدمير الدولة، ثم استكثروا حفنة منها على اعادة اعمارها. فتحوا الحدود للسلاح والمقاتلين، ثم اغلقوا ابوابهم في وجه اللاجئ. شجعوا السوري على هدم بيته، ثم تركوه يسأل عن ثمن الطوبة.

اما الطغمة الجديدة، فقد اكتشفت حلا عبقرياً للمشكلة: ارفع شعارات كبيرة، أقم احتفاليات اكثر، اطلق الليزر والالعاب النارية، ودع المواطن ينظر الى السماء كي لا يرى ما تحت قدميه.

لكن الحيلة لم تعد تعمل.

وتبقى حكاية الحمار الذي وضعوه في مربط جواد، فاكل علفه واعتلى سرجه، ثم نهق فرحا معتقدا انه اصبح حصانا اصيلا.

المشكلة ليست في الحمار. فهو لم يدع يوما انه جواد.

المشكلة فيمن صدق ان السرج يغير الحقيقة.

لقد سقطت ورقة التوت. وما ظهر تحتها ليس فقط عورة الطغمة، بل عورة المشروع كله. وعندما يكتشف السوري اخيرا انه لم يكن حصانا في السباق، بل حمارا محملا بالاثقال، عندها لن يكون السؤال: لماذا خرجنا فقط…

بل: من وضعنا في هذا المربط، ومن سرق منا الطريق، ومن يريدنا ان نبقى نهق فرحا ونحن نجر عربة الخراب؟

صديق الصفحة

===================

  • الكاتب مجهول

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق