
يعكس هذا المقال قناعتي المستمدة من فهمي العميق للتاريخ، ولذلك أضع في مقدمته لافتة تقول: هذا المقال ممنوع على الرعاع، والجماهير الجاهلة، والمتشردين على اختلاف أصنافهم، وكذلك المصابين بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وأمراض العيون أن يقرؤوه.
التاريخ ليس طريقاً ذا اتجاه واحد… فمن رحل لا يعود، ومن غادر لا يرجع. بل هو طريق دائري، وحركته ليست خطاً مستقيماً، وإنما تجري في دورات. وبوابة التاريخ دوّارة…
من رأى في الفوضى تكتيكاً لإحداث حالة استعمارية، لم يطرح على نفسه ــ ولم يرغب في أن يطرح ــ السؤال المهم: ماذا بعد الفوضى؟
فالفوضى مرض معدٍ، سريع الانتشار، ومن قال ذات يوم: «ابتداءً من سورية سيتغير العالم» لم يكن مخطئاً.
سواء أحببت السيد بشار الأسد، أو كرهته، أو كانت لديك تحفظات عليه، فالأمر أشبه بعامل محفّز في التفاعلات الكيميائية؛ فهو لا يؤثر في النتيجة.
كل الذين هرعوا، وساعدوا، ومولوا، وعملوا بكل ما أوتوا من قوة لإسقاط سورية كانوا ضيقي الأفق، لأنهم لم يسألوا أنفسهم: ماذا بعد سقوط سورية؟
وهذا هو الأهم: أنهم لم يعرفوا سورية، وما تمثله في قوانين الحركة وإيقاعها بالنسبة إلى منطقتنا بأسرها…
يقول التاريخ إن كل مرض أصاب سورية عبر التاريخ انتشر في المنطقة بأكملها بسرعة النار في الهشيم…
فإما أن يُستأصل المرض في سورية، أو ينتشر بطريقة لن تجدي معها أي إجراءات وقائية ــ وهذه حقيقة مؤكدة.
فالفوضى في سورية مرض مزمن سيصيب الجميع، وهذه حقيقة تاريخية مؤكدة، وليست تنبؤاً ولا أمنية.
إن مشكلة العالم الذي نعيش فيه، ولا سيما دوائره الاستعمارية، وبشكل أكثر تحديداً الدول المرتبطة بسورية برابطة جدلية، هي أنها لا تفكر إلا في البدايات… ولا تطرح على نفسها السؤال المهم: ماذا بعد؟
لقد تعلّم الجميع ــ والعالم كله بات ينام بعينين مفتوحتين ــ وحين أقول الجميع، فإنني أعني الجميع، وفي مقدمتهم إسرائيل وتركيا ومصر والعراق والأردن ولبنان والسعودية ودول الخليج بأسرها، وحتى إيران…
فخروج الأسد وتفكك سورية جعلاهم يندمون ــ نعم، يندمون ــ وأصبح همّهم الوحيد هو إبعاد الخطر عن أنفسهم…
لأن دوامة الفوضى لن تستثني أحداً…
إسرائيل
إسرائيل، التي تطاردها الهواجس الأمنية منذ نشأتها، استخدمت حلم التوسع كفزاعة للعرب، بينما تعرف في الواقع أن التوسع الجغرافي لن يؤدي إلا إلى زيادة فرص غرقها في محيط ديموغرافي عربي لن تتمكن من الإفلات منه…
وما أشد سخرية حلم بعض الجاهلين بالتاريخ في البحث عن الأمن في أحضانها، فالـجائع لا يطعم جائعاً.
فروح المقاومة في هذه الأرض إرث حضاري متوارث.
وتجربة إسرائيل في احتلال مناطق خارج حدود فلسطين المحتلة انتهت بهزائم وكوارث…
نعم، حصلت إسرائيل على مزيد من الأراضي في سورية، لكن الثمن كان مزيداً من القلق، ومزيداً من المخاوف الأمنية…
فهي تعرف جيداً أن الجولاني لا يمتلك قوة اجتماعية حقيقية تسنده، وإنما حفنة من الرعاع وبعض التجار الفاسدين، وتعرف أن الدروز ليسوا هم حكمة الهجري، وأن العلويين ليسوا حفنة من الانتهازيين الذين جلبتهم من أوروبا، وأن حجم العداء لها في الشارع السوري هائل، وليس في سورية سادات أو مبارك للسيطرة على إيقاع الشارع وتأمين، ولو مجرد، سلام بارد على النموذج المصري…
تركيا
والأمر نفسه ينطبق على تركيا، التي قادت أحلام رجل مريض ومختل نفسياً إلى حافة الهاوية، حتى أصبحت على مشارف ما يهدد كيانها المصطنع، القائم على توازنات هشة أفسدتها الطموحات الغبية…
فأردوغان لم يدرك أن لخطواته حدوداً لا ينبغي تجاوزها، وأن ما فعله بسورية ومع سورية سيرتد على كيانه المتفجر والقابل للانشطار، في غمضة عين…
والأمر نفسه ينطبق على مصر والعراق، بل وعلى جميع من ذكرتهم، وجميعهم يتمنون في السر أن يعود الأسد وأن تعود أيامه معه.
فقد كان يحجب عنهم الكثير من الأمور التي لم يدركوها إلا بعد رحيله…
وفي الواقع، سيُجبرون قريباً، في لحظة ليست بعيدة، على تبني فكرة عودة الأسد، لأنها المخرج الوحيد المتاح لهم جميعاً.
أما أولئك الذين يلعنون الأسد ليلاً ونهاراً، فسيفعلون قريباً جداً ما فعله الشعب السوداني مع اللواء إبراهيم عبود، رئيس السودان الذي أطاح به السودانيون في ثورة أكتوبر/تشرين الأول عام 1964.
وعندما وجدوه يسير في السوق بعد عزله، ركضوا خلفه وهم يهتفون:
«فقدناك ووضعناك وراءنا يا عبود…»
وسوف نعود…
بل أكثر من مجرد عودة.
بقلم: محمد أبو زيد
≈=================