
عندما يتوالى انكشاف الاكاذيب، وتسقط الوعود واحدة بعد اخرى، وتتحول الحريات الموعودة الى خوف، والكرامة الى طوابير وفقر، والخلاص من الاستبداد الى استبداد جديد، يصبح من الطبيعي ان يبدأ السوري بسؤال بسيط: ماذا تغير فعلا؟
لكن يبدو ان هذا السؤال بالذات صار مزعجا لبعض منظري المرحلة، ولذلك خرجت علينا ميساء قباني بمنشور يصلح نموذجا مدرسيا لفن الهروب من الواقع: لا تنظروا الى الصورة الكبيرة، لا تقارنوا، لا تتذكروا، فقط ابتسموا لان “الاسد رحل”. وكأن رحيل الحاكم شهادة حسن سلوك تمنح السلطة الجديدة حصانة ابدية من المساءلة.
يا لها من عبقرية سياسية! اذا امتلأت السجون، فلا تنظروا الى السجون. اذا استمر التعذيب والموت والقتل، لا تسألوا. اذا انهارت الخدمات والتعليم والصحة، وغرقت المدن بالنفايات والفقر، فهذه تفاصيل صغيرة. اذا تحول مجلس الشعب الى ديكور سياسي، حتى ان رئيسه يعلن ان المجلس ليس رقيبا على الحكومة ولا يملك كتابة الدستور الدائم وفق الإعلان الدستوري ( الذي قام هو نفسه بكتابته ) فكل ذلك لا يستحق الانتباه. المهم ان الرجل الذي كان في القصر لم يعد فيه. انتهت المهمة، اطفئوا النور وعودوا الى بيوتكم!
هذه ليست معالجة سياسية، بل محاولة بدائية لاعادة ترتيب وعي الناس بحيث يصبح السؤال عن الواقع نوعا من الجحود.
وعلم النفس الاجتماعي يعرف مثل هذه الاليات جيدا. هناك ما يسمى تأثير الحقيقة الوهمية: تكرار الرسالة نفسها يجعلها تبدو اكثر صدقا مع الوقت. وهناك التفكير المدفوع بالدوافع، حيث لا يبحث الانسان عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن تفسير يحمي موقفه السابق. وهناك ايضا تحديد الاجندة، اي دفع الجمهور الى التركيز على قضية معينة، بما يصرف الانتباه عن قضايا اخرى اكثر اهمية. الدراسات السياسية الحديثة تؤكد ان الفاعلين السياسيين يستطيعون، عبر المبادرة المنظمة وتكرار الموضوعات، اعادة توجيه انتباه الجمهور ووسائل الاعلام.
وبالتالي، فالمشكلة في هذا الخطاب ليست فقط انه ساذج؛ بل انه يؤدي وظيفة نفسية وسياسية واضحة: تحويل المواطن من صاحب حق في السؤال والمحاسبة الى متلق ممتن لمجرد زوال الحاكم السابق.
اما التبرير الجاهز “كل شيء بسبب تركة الاسد”، فهو اكثر من كونه حجة: انه شماعة تصلح لتعليق كل فشل الى ما لا نهاية. لكن السؤال الذي يفضح هذه الحيلة بسيط: اذا كانت السلطة الجديدة تعرف حجم الخراب، فلماذا كانت تعد الناس بالخلاص السريع والكرامة والازدهار؟ ولماذا يصبح كل فشل اليوم ارثا قديما، بينما كان كل نجاح مزعوما يوصف بانه ثمرة العهد الجديد.
وهنا بالضبط تكمن المسألة: المشكلة ليست في ان يخطئ سياسي او تكذب سلطة، بل في ان يصبح الكذب بديلا عن الواقع، والتضليل بديلا عن المحاسبة، والالهاء بديلا عن الحلول.
اما ان يطلب من السوري ان يأكل ويشرب ويبتسم ويحمد الله لان الاسد رحل، بينما السجون عامرة، والمؤسسات تنهار، والسيادة تنتهك، والفساد والمحسوبيات تتكاثر، فهذه ليست كرامة سياسية. انها اهانة للعقل.
ومن ساهم في تسويق الوهم للشعب لا يحق له اليوم ان يطلب منه نسيان النتائج. ومن بشره بجنة ما بعد الاسد، عليه ان يشرح له لماذا وجد نفسه في واقع اسوأ، لا ان يطلب منه اغلاق عينيه والتغني بفضيلة الرحيل.
فالاسد رحل، نعم. لكن رحيل الاسد ليس رخصة للسلطة الجديدة كي تكذب، ولا صكا على بياض كي تفشل، ولا قبرا تدفن فيه ذاكرة السوريين.
وبعد كل هذا، ربما يكون انسب رد على ميساء قباني ومنطقها العجيب: لا يا سيدتي، لن ننسى. لن نغسل وجوهنا من الغبار ونبتسم للصورة الوردية. نريد دولة، لا صورة. نريد حرية، لا دعاية. نريد كرامة، لا منشورات. ونريد الحقيقة كاملة، لا طبقا تجميليا فوق مائدة الخراب والقمامة.
صديق الصفحة