
بالرغم من انتشار المسارح في العالم، فإن أكبر مسرح في الوجود هو مسرح الحياة، ولكن أكثر مسارح الحياة جدلاً واثارة وإظهاراً للمواهب هو مسرح السياسة .. فالسياسيون هم أكبر الممثلين وأمهر الممثلين على الإطلاق، لأنهم قادرون على أن يأخذوا الناس في أحلام وردية، وقادرون على أن يأخذوهم إلى حروب طاحنة، وقادرون أن يقنعوهم أن الجنة هي الجحيم وأن الجحيم هو الجنة .. لذلك عندما نراقب مسرح السياسة فإننا نبحث دوماً عن الممثلين المهرة، وإذا كنا نبحث عن أمهر الممثلين على الإطلاق في هذا الزمان فإننا لا شك سنعطي جائزة الأوسكار إلى أمهر ثنائي في مسرح السياسة الدولية .. الثنائي الذي يمثل عدوين متنافسين متصارعين وقد أتقنا جداً أداء دور المبارزة بين طرفين متخاصمين الى حد الموت رغم اننا سلفاً نعرف أنهما صديقان حميمان وودودان جدا وأنهما يتعاونان وأن أحدهما لن يكون ضنيناً بصديقه مهما اشتدت المبارزة وعلا غبارها ..
ولا شك أننا اكتشفنا أن أعظم مسرحيات أردوغان كانت هي تلك التي بدأها في دافوس، في عرض دافوس الشهير أمام شمعون بيريز، والذي صفق له العالم الإسلامي والعالم العربي كثيراً وعاد منه بطلاً من الأبطال، ولكنه لم يكتفِ بدور البطولة هذا، بل ألحقه بمسرحية أخرى هي مسرحية سفينة مرمرة، وبهاتين المسرحيتين كان قد ضمن دخوله إلى المسرحية الثالثة الأخيرة وهي مسرحية الربيع العربي التي قدم نفسه فيها على أنه خادم المسلمين، وأنه قائد لجهاد الإسلام، وأنه هو الذي سيغير هذا العالم الإسلامي المريض، وبالحقيقة فإنه تمكن من إتقان هذا الدور بنجاح منقطع النظير حتى انه أغوى شباب المسلمين ومثقفيهم وأقنعهم انه هو المنقذ والمخلص .. وكان على الدوام في كل هذه المسرحيات يصر على أن يكون دوره هو المدافع عن فلسطين والمنافح عن فلسطين، وكانت فلسطين دوماً هي القضية التي تحضر في خطاباته التمثيلية وفي كل استعراضاته السياسية ومبارزاته الاستعراضية وكانت اسرائيل هي طاحونة الهواء التي نراها في خطاباته ويحطمها في كل يوم ويكسر أجنحتها .. وقد أتقن دوره في الربيع العربي ايما اتقان حتى انه كان مثل الساحر يدمر الدول ويخرج من بين غبار الحطام وهو ينفض ثيابه لأنه يمثل انه أنقذ ماأمكن انقاذه .. وقد نجح في أهم هدف لهذه المهمة وهي تدمير الجيوش التي تحيط بإسرائيل وخاصة أهم وألد أعداء إسرائيل هو الجيش السوري.
وبنهاية هذه المسرحية التي استمرت منذ عام 2011 في الربيع العربي وانتهت في 8 ديسمبر 2024، فإن أردوغان قد تمكن من أن يكون هو الممثل الأبرز على الساحة الإقليمية والدولية. وقد نجح في هذا الدور حسب النقاد في السيسة والمسرح لأنه كان يتناول شأن المنطقة مع نتنياهو في تمثيلية أنهما يتراشقان بالعداء وأنهما يتراشقان بالتهديدات، ويكاد احدهما يكبس زر الحرب ولكنه يمسك اعصابه في آخر لحظة) .. ولكن لم نجد أي مبارزة حقيقية رغم كل تمثيلية المصارعة والملاكمة ، لأنها كانت مجرد كلام في كلام في كلام. اليوم يتابع أردوغان ونتنياهو هذا الثنائي السياسي الفاجر، يتابع المسرحية بنفس الطريقة. وبالأمس رأينا مسرحية جديدة هي مسرحية مطار أبو ظهور. مطار أبو ظهور يتم تقديمه على أنه منطقة الاحتكاك الأولى بين الأتراك وبين الإسرائيليين، ولكنه في الحقيقة معركة وهمية ترمي الرمال في العيون، ولن يكون هناك أي احتكاك بين إسرائيل وبين تركيا، هما متفقان على العرب، لكل منهما له ثأره مع المنطقة ومع العرب تحديداً
الاوروبيون والاسرائيليون لايدخلون اي اتفاق لاينص على كل التفاصيل المملة .. وليسوا بالأغبياء الذين يدخلون اتفاقا بلا تفاصيل في شدة الدقة .. ولذلك يستحيل انهم سمحوا للاتراك بالدخول معهم في مشروع اسقاط سورية دون وضع جدود للحصة التركية واللهامش التركي ولعدد الجنود المسوح بادخالهم ونوع العتاد وعدد البنادق .. هو مارأيناه في كل حروب الاوروبيين واتفاقاتهم .. ففي مؤتمر يالطا، عندما تحددت حدود كل دولة وحصص كل دولة، كان الجنود يقفون على نواسي الشوارع في برلين دون أن يتجاوزوها إلى الشوارع والأحياء الأخرى، لأن الأوامر كانت واضحة أن يقفوا عند حدود محددة وعند شوارع محددة وفق الاتفاق.
لذلك، عندما سقطت الدولة السورية، لا يمكن أن تكون تركيا لم تعرف حدودها ولم تعرف ما هو الدور المسموح لها فيه ونوع العتاد الذي سيسمج بتواجده ضمن الحدود السورية .. وإلا فإن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون قد تم .. الإسرائيليون ليسوا بالأغبياء كي يسمحوا بسقوط دولة مهمة جدا بجوارهم وبحلول دولة أخرى محلها دون أن يعرفوا حدود القوة الجديدة وإمكاناتها والهامش الذي يسمح لتلك الدولة بالحركة. لذلك فإن عملية مسرحية مطار الظهور هي لذر الرماد في العيون، ولخلق شيء جديد، المنطقة أو عملية التخادم. الأتراك ليس لهم قرار في المنطقة بل هم منفذون فقط .. وهم مجرد موظفين لدى الناتو والولايات المتحدة، وأردوغان شخصيًا مكلف من جهة صهيونية عالمية بأن يقوم بهذا الدور، ولذلك ولايصاله للسطلة تم لأول مرة لجم الجيش التركي عن التدخل رغم انه عندما يتحسس اسلاميين فانه كان يلقم بنادقة الا مع حزب العدالة والتنمية عندما وصل الإسلاميون إلى السلطة فانه اختار النوم في العسل .. وتم لأول مرة حقن الاقتصاد التركي بالأموال كي يبزغ نجم الاسلاميين واردوغان ليمكنهم من اطلاق الربيع العربي للاسلاميين ..
أبو الضهور مسرحية .. وعلاقة اسرائيل بتركيا هي علاقة تحالف وتخادم .. اسرائيل تقود المسرحية وتركيا تنفذ وهي عندما ينتهي دورها في المسرح سيطلب منها ان تغادر وتحيي الجمهور بعد أدائها الممتاز ..