مقال جدير بالقراءة: سورية.. حين يصبح الحجاب أهم من المدرسة، والغيبيات أسبق من العلم – بقلم: صديق صفحة نارام

ما الذي يحدث لمجتمع حين يصبح تقنين الغيبيات أيسر من تنظيم العلم، وتغطية التماثيل أسهل من ترميم المدارس، ويغدو عدد المساجد مدعاة للتباهي الرسمي، بينما يجلس أطفال على أرض باردة في صفوف تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم؟ وما الذي يعنيه أن تتحول ملابس معلمة إلى قضية تستنفر حملات التشهير على وسائل التواصل، فيما يتراجع الاهتمام بكفاءتها ودورها الإنساني والتربوي؟

لسنا أمام حوادث منفصلة، بل أمام ملامح مشروع يعيد تشكيل المجتمع وفق سلم مقلوب للأولويات، تتقدم فيه الرموز على الحقوق، والمظاهر على النتائج، والامتثال على المعرفة، والوصاية الأخلاقية على بناء الإنسان. إنها عقلية لا ترى في أزمات المجتمع الحقيقية ما يستحق الاستنفار بقدر ما تراه في تفاصيل المظهر والسلوك الشخصي.

الراقي الشرعي مرخص، والاختصاصي النفسي يطارد السراب!

استطاعت وزارة الأوقاف استحداث مديرية للرقية الشرعية، وتقنين نشاطها، وتنظيم دورات لها، وإدخالها في المسار الأكاديمي لكليات الشريعة، بينما ما زال اختصاصيو علم النفس السريري والعلاجي يصطدمون بمتاهات التراخيص وضبابية التوصيف المهني وغياب التنظيم المستقل الذي يحمي الممارسين والمرضى.

أي مفارقة أكثر دلالة من هذه؟ حين يحتاج المريض النفسي إلى اختصاصي مؤهل، يجد أمامه مهنة لم تستكمل الدولة بناء إطارها التنظيمي، بينما تستطيع الممارسات ذات المرجعيات الغيبية أن تجد طريقها إلى الاعتراف المؤسسي بسهولة أكبر!

ليس المطلوب مصادرة المعتقدات أو محاربة التدين، بل وضع حد فاصل بين حرية الاعتقاد والممارسة العلاجية، وبين المواساة الروحية والتشخيص العلمي. فالأمراض النفسية ليست دليلا على ضعف الإيمان، ولا يجوز أن يكون علاجها رهينة ممارسات غير مثبتة علميا، أو أن يؤدي اللجوء إليها إلى تأخير العلاج المتخصص.

إن الدولة التي تعجز عن تنظيم مهنة علمية تمس صحة الإنسان وكرامته، ثم تسارع إلى مأسسة أنشطة غيبية، لا تعالج أزمة المجتمع، بل تعيد إنتاجها تحت غطاء رسمي.

أطفال على الأرض، وتماثيل تحت الأغطية!

في المدارس السورية، حيث يفترض أن تكون الأولوية لبناء العقول، يجلس تلاميذ على الأرض في البرد، ويعانون من ظروف تعليمية لا تليق بكرامة الطفل ولا بحدود المسؤولية العامة. وفي المقابل، يجري حذف صور إناث من الكتب المدرسية، وإضافة الحجاب إلى صور النساء، وتغطية تماثيل أثرية، وكأن الخطر الذي يهدد مستقبل البلاد يكمن في صورة امرأة أو هيئة تمثال، لا في انهيار البيئة التعليمية وتراجع جودة المعرفة.

أي منطق هذا الذي يستنفر لتعديل صورة، ولا يستنفر بالقدر نفسه لتأمين مقعد وتدفئة وكتاب ومختبر؟ وأي مشروع تربوي يبدأ بتضييق مساحة الصورة قبل أن يضمن للطفل حقه في التعليم الجيد؟

إن حذف صورة امرأة لا يرفع مستوى التحصيل العلمي، وتغطية تمثال لا توفر مقعدا مدرسيا، وإعادة رسم صورة في كتاب لا تعالج الأمية أو التسرب أو ضعف المناهج. لكنها جميعا تمنح أصحاب هذه العقلية شعورا بالإنجاز السريع، لأن تغيير المظهر أسهل من إصلاح الواقع، وفرض الرموز أقل كلفة من بناء المؤسسات ومحاسبة المقصرين.

إننا أمام محاولة لإعادة تعريف وظيفة المدرسة: من مؤسسة لإنتاج المعرفة والعقل النقدي، إلى مساحة لإعادة إنتاج نموذج اجتماعي واحد، تحكمه اعتبارات أيديولوجية تتقدم على المعايير التربوية والعلمية.

ثمانية عشر ألف مسجد، فأين المدارس اللائقة؟

حين يتباهى وزير الأوقاف بتجاوز عدد المساجد في سورية ثمانية عشر ألفا، فيما تعاني مدارس من نقص المقاعد والتدفئة والمرافق الأساسية، يصبح السؤال عن أولويات الدولة واجبا لا إساءة إلى الدين.

المشكلة ليست في المساجد، ولا في حق المجتمع في ممارسة شعائره، بل في تحويل الأرقام الدينية إلى إنجازات سياسية ورمزية، بالتزامن مع التغاضي عن مؤشرات الفشل في التعليم والصحة والخدمات العامة.

المسجد والمدرسة ليسا خصمين، والإيمان والعلم ليسا نقيضين. لكن الدولة التي تحتفي بأحدهما وتترك الآخر في العراء تكشف خللا عميقا في فهم مسؤولياتها. فالمعيار الحقيقي لنجاح المؤسسات ليس عدد المباني التي تشيدها، بل مقدار ما تحققه من كرامة الإنسان ومعرفته وصحته وقدرته على المشاركة في بناء مجتمعه.

الدولة الحديثة تقوم على الكفاءة والقواعد الواضحة والمساءلة، لا على القرارات الاعتباطية ولا على استبدال النتائج الملموسة بالإنجازات الرمزية. وحين تتحول البيروقراطية إلى أداة لتعطيل العلم، فيما تصبح المسارات المرتبطة بالخطاب الأيديولوجي أكثر سهولة ومرونة، فإن الخلل لم يعد إداريا فحسب، بل أصبح خللا في طبيعة العلاقة بين السلطة والمعرفة.

من بناء الإنسان إلى مراقبة مظهره

أما الهجمة على معلمة لمجرد أنها لا ترتدي الحجاب، فهي تكشف الوجه الاجتماعي الأكثر خطورة لهذا المنحى: تحويل الأفراد إلى موضوع دائم للمراقبة والمحاكمة الأخلاقية، وتهميش ما يقدمونه من عمل وخدمة ومعرفة لصالح الحكم على مظاهرهم الشخصية.

حين تصبح ملابس المعلمة مادة للتشهير، بدلا من تقييم أدائها المهني، يجري تكريس معيار خطير للقبول الاجتماعي: ليس المهم ما تعرفه أو ما تقدمه، بل مدى تطابقها مع الصورة التي يفرضها أصحاب الوصاية.

وهكذا تتحول الرموز الدينية والاجتماعية إلى أدوات للضبط والإقصاء، ويتحول الاختلاف من حق طبيعي إلى شبهة تستدعي التبرير. ومع مرور الوقت، يتعلم الأفراد مراقبة أنفسهم خوفا من أحكام الآخرين، وتصبح السلامة في التشابه لا في الإبداع، وفي الصمت لا في التعبير، وفي الامتثال لا في التفكير.

والنتيجة مجتمع يستهلك طاقته في مراقبة النساء وصورهن وملابسهن، بينما تتراجع قدرته على مراقبة الفساد، ومساءلة المسؤولين، والدفاع عن الحقوق، ومواجهة أسباب الفقر والجهل والانهيار.

هذه ليست مجرد مسألة تتعلق بالحريات الشخصية، بل هي قضية تتصل بطبيعة المجتمع الذي يجري تشكيله: هل نريد مواطنين يمتلكون عقولهم وحقوقهم، أم أفرادا يخضعون لرقابة اجتماعية دائمة تحدد لهم كيف يلبسون، وماذا يرون، وكيف يفكرون؟

كيف يمكن وقف هذا الانحدار؟

لا يكون الحل بمحاربة الدين أو إقصائه من المجتمع، بل بمنع احتكار تفسيره للحياة العامة، وبناء دولة مدنية تحمي حرية الاعتقاد وتساوي بين المواطنين، وتترك الاختصاصات العلمية لأصحاب التأهيل والكفاءة.

ويبدأ الإصلاح بتنظيم المهن النفسية وفق معايير علمية واضحة، وإقرار إطار قانوني مستقل للترخيص والمساءلة وحماية المرضى. كما يتطلب وضع التعليم في مقدمة الأولويات الفعلية للموازنة والسياسات العامة، وإصلاح المدارس والمناهج وفق معايير تربوية وعلمية، بعيدا عن حملات التعديل الأيديولوجي للصور والرموز.

ويقتضي أيضا حماية المعلمين من التشهير والتمييز، وترسيخ مبدأ أن تقييمهم يكون على أساس الكفاءة والأداء المهني، لا على أساس المظهر الشخصي، ما داموا ملتزمين بالقانون وأخلاقيات المهنة.

والأهم من ذلك كله، أن تتحول هذه الاعتراضات من مواقف متفرقة إلى ضغط مجتمعي منظم، يطالب بالشفافية والمساءلة، ويرفض أن تصبح الرموز بديلا عن الحقوق، أو أن تتحول المؤسسات العامة إلى أدوات لفرض نموذج اجتماعي واحد.

إن أخطر ما يهدد سورية ليس مجرد تصاعد المظاهر الدينية في المجال العام، بل اختزال مشروع بناء الدولة في هذه المظاهر، على حساب العلم والتعليم والمواطنة والعدالة.

فالدول لا تنهض بتغطية التماثيل، ولا بحذف صور النساء، ولا بتكثير الشعارات، بل ببناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع والإنتاج. ولا تقاس قوة الدولة بقدرتها على ضبط ضمائر الناس ومظاهرهم، بل بقدرتها على حماية حقوقهم، وتأمين مدارسهم، وعلاج مرضاهم، وصون كرامتهم.

وحين يصبح ضبط مظهر المعلمة أهم من جودة تعليمها، وعدد المساجد أهم من حال المدارس، وتقنين الغيبيات أيسر من تنظيم العلم، فنحن لا نواجه مجرد سوء في الإدارة، بل انقلابا في سلم القيم والأولويات.

إنها عقلية تريد مجتمعا يبدو صالحا قبل أن يكون متعلما، ومطيعا قبل أن يكون حرا، ومتشابها في مظاهره قبل أن يكون متقدما في قدراته.

وهنا تكمن المفارقة المأساوية: قد تنجح هذه العقلية في تغطية التماثيل، وتعديل الصور، ومراقبة الملابس، وتكثير الشعارات، لكنها لن تستطيع أن تغطي عري الفشل، أو أن تحجب حقيقة التخلف، أو أن تصنع مستقبلا لأطفال يجلسون على الأرض فيما يتباهى المسؤولون بالإنجازات.

فالمجتمع الذي يقدس المظهر على حساب الجوهر لا يبني نهضة، بل يصنع واجهة تخفي وراءها تراجعه. والدولة التي تنشغل بتشكيل ضمائر مواطنيها بدلا من بناء قدراتهم لا تحمي المجتمع، بل تعطل إمكاناته وتبدد مستقبله.

إن سورية تحتاج إلى دولة تبني المدارس قبل أن تعد المساجد، وتحمي العلم قبل أن تقنن الغيبيات، وتقيس قيمة المعلمة بما تزرعه في عقول طلابها، لا بما تغطيه من جسدها. وما عدا ذلك ليس مشروعا للنهضة، بل إدارة للتخلف تحت شعارات الفضيلة.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا